صفية السهيل أشجع منك يا نوري المالكي
توفيق عبد المجيد
في وقت تتوارد فيه ردود الأفعال بمختلف الأشكال ، تتمحور كلها في إدانات دولية للاجتياح التركي السافر الذي تجاهل عن عمد مختلف المواثيق والأعراف الدولية ، وتنكر بشكل تام لحقوق ثاني أكبر مكون قومي في تركيا وهو الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية بملايينه التي تتجاوزالخمسة و العشرين مليوناً ، والذي يعيش على مساحة تتجاوز المئتي ألف كيلو متر مربع ، والجونتا العسكرية التركية لا تكف فقط عن اضطهادهم في الداخل ، في وقت تزداد فيه موجة الإدانات لتأخذ أشكالا أكثر وضوحاً وتعبيرية من اليوم الأول للاجتياح من دعوة صريحة من قبل بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة إلى تركيا لاحترام حدودها مع إقليم كردستان العراق إلى عناصر حزب العمال الكردستاني لوقف التسلل ،إلى ( نصيحة قوية ) وجهتها الولايات المتحدة إلى الفاشية التركية بإنهاء تدخلها في شؤون الإقليم بسرعة ، إلى (قلق ألماني شديد ) من التوغل التركي في كردستان العراق ، وتأكيد من المتحدث باسم الخارجية الألمانية بأن وجود هذه القوات في أراضي الإقليم ( يهدد الاستقرار في العراق ) وإن ألمانيا "تحذر الحكومة التركية من تصعيد الأوضاع " مؤكداً للحكومة التركية بأن تكافح ما تسميه هي " الإرهاب " بطريقة مقبولة وعقلانية " ومروراً بالموقف الرسمي الروسي الذي عبر عنه بوضوح وشفافية المتحدث الرسمي الروسي داعياً فيه الجانب التركي إلى " ضبط النفس وعدم اللجوء إلى التصعيد العسكري " الذي سيؤدي إلى " تفاقم الوضع المعقد أصلاً في المنطقة " ، إلى موقف وزير الدفاع الأمريكي : " إن العمل العسكري لن يحل مشاكل تركيا مع حزب العمال الكوردستاني " إلى وصف وزارة الخارجية الفرنسية ( المسألة الكردية في شمال كردستان بالمسألة السياسية ) وضرورة حل الأزمات بين تركيا والعراق عن طريق الحوار السلمي ، إلى الطلب الأسترالي من تركيا على لسان وزير خارجيتها ( سحب قواتها من إقليم كوردستان بأسرع وقت ممكن).
في هذا الوقت الحساس وفي هذه الظروف المعقدة يطل علينا السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي بموقف المتهرب من المسؤولية وكأنه ليس مسؤولاً عن سلامة الأرض العراقية ، يطل علينا المالكي بموقف ينضح تخاذلاً وجبناً عبر عنه بصراحة السيد علي الدباغ يستعدي فيه العسكريتاريا التركية على عناصر حزب العمال الكردستاني واصفاً إياهم بأنهم " منظمة إرهابية تشكل خطراً على تركيا ومنطقة الحدود بين البلدين " ، ونحن لا نطلب من السيد المالكي أن يجيش الجيوش ويتصدى لجحافل الجيش التركي لعلمنا أن الدفاعات العراقية مازالت في طور النمو والتشكل ، بل نعذره في هذا الشأن ، ولكن ليس مطلوباً منه البتة وبكل المقاييس وهو رئيس الوزراء ، وليس مسموحاً له أن ينعت عناصر حزب العمال الكردستاني بـ " بالإرهابيين " ويحملهم مسؤولية تهديد " سلامة واستقرار تركيا " وكأنهم هم الذين اجتاحوا الأراضي التركية .
يبدو أن الاجتياح لا يعني للمالكي شيئاً وهو أمر عادي أو دون العادي طالما أنه لا يعتبر الإقليم كله من العراق ، ومادامت المعارك والاشتباكات تقع على أرض غير عراقية ، وإلا لكف عن مثل هذه التصريحات الجبانة ، أو لقطع زيارته لبريطانيا بحجة المعالجة أسوة بكثير من القادة الذين يسارعون الخطى بالعودة إلى أوطانهم عندما تتعرض لخطر ما أو تنزل بها كارثة طبيعية أما الفاشيون من الأتراك فيبدو أنهم في موقف لم تعد تنطلي فيه حججهم ومبرراتهم على أحد ، فهم تارة علمانيون ، وطوراً إسلاميون ، ويريدون تصدير الأزمة الداخلية المتفاقمة بين المؤسستين العسكرية والمدنية على خلفية التراجع الخجول عن العلمانية والتخلي عنها شيئاً فشيئاً ، ومحاولة من الجيش لـ ( استعادة الهيبة السياسية التي بدأت تتآكل مؤخراً ) كما ترى صحيفة الأنديبندنت، ثم استعراض للعضلات والقوة العسكرية تلميحاً لأمريكا وغيرها بأنها مازالت - بل تتمنى – وجاهزة أن تكون الذراع الطويلة لها ، وقوة تحت الطلب لتنفيذ بعض المخططات والأجندة الأمريكية قد يكون في أولوياتها كبح جماح استعراض العضلات من الجانب الإيراني ، والتهديد بامتلاك الأسلحة النووية لتكون منافساً للأمريكان على السيطرة على المنطقة والاستحواذ على خيراتها ، والأهم من كل ما ذكرنا ، بل الأساسي والجوهري في مخطط الطغمة العسكرية الفاشية هو الإقليم الفيدرالي الذي يتكون بالقرب منهم ، وأصبح هاجساً للترك يقض مضاجعهم ليل نهار .
كان الأجدر بالمالكي أن يتخذ موقفاً مسؤولاً لا أن يتوسل إلى الطغمة العسكرية التركية لكي تحترم حدود العراق بعد الانتهاء من قصفهم للإقليم الكردستاني ، كان عليه على الأقل أن يصنف ويعرف الإرهابيين الحقيقيين الذين دمروا آلاف القرى الكردية وتنكروا ولا زالوا يتنكرون لحقوق الشعب الكردي في وقت تستقل فيه دول صغيرة تقل مساحتها عن مساحة ولاية كردية في كردستان تركيا ، لا أن يلجأ إلى سياسة النعامة ويترك الفاشيست الأتراك يعربون في سماء العراق ويعبثون بأرضه ، كان عليه أن يفعل ما فعلته البرلمانية العراقية الشجاعة صفية السهيل ( صفيه تسوا ميه ) التي طالبت برفع شكوى عاجلة ضد الترك إلى مجلس الأمن فيبادر هو إلى ذلك فيدعو إلى جلسة مجلس الأمن إلى جلسة طارئة .
يبدو أن الإقليم الكردستاني بأرضه وسمائه وسكانه لا يعني للمالكي شيئاً أو أنه متفق مع الطورانيين الأتراك ، وإلا فما المغزى من هذا الموقف اللاموقف ؟ وما سبب سفره في هذا الظرف العصيب إلى إنكلترا ؟ هل إن إجراء بعض الفحوصات الطبية التي وصفها علي الدباغ ( بالروتينية ) كما ذكرته صحيفة الزمان التي صدرت يوم الأحد في الرابع والعشرين من شباط وكما ترشح عن بعض وسائل الإعلام ، أهم من الغزو الفاشي التركي لأرض العراق ؟ سؤال نترك الإجابة عليه للمستقبل
25/2/2008