الجيش التركي والسياسة
بعد إخفاقه في كردستان العراق
سامي
شورش الحياة -
09/03/08//
بعد
أشهر من التهديدات العسكرية
والوعيد، تجاوزت الستة، شنت
القوات التركية قبل أكثر من
اسبوعين، هجوماً عسكرياً على
مواقع تابعة لحزب العمال
الكردستاني تنتشر في جبال
نائية داخل كردستان العراق:
جبال قنديل وخواكورك وشرق
مدينة زاخو. لكن اللافت أن
الهجوم الذي إستقطب إهتماماً
سياسياً وإعلامياً، دولياً
وإقليمياً، واسعاً، إنتهى على
حين غرة، ليس الى الفشل، إنما
الى عدم تحقيق الأهداف التي
رسمتها له أنقرة. ومعروف أن
القضاء على مقاتلي حزب العمال
كان في مقدم هذه الأهداف.
يشار
الى أن تركيا التي شنت أكثر
من عشرين هجوما عسكريا على
كردستان العراق بين 1984
و2003 تحت يافطة القضاء
المبرم على حزب العمال، إضطرت
قبل شن هجومها الأخير، الى
بذل جهود خفية غير قليلة
لإقناع حليفتها الإستراتيجية،
أميركا، بإعطائها الضوء
الأخضر للقيام بالهجوم.
ومعروف أن فضاء العراق وحدوده
الدولية وأراضيه، يخضع لسيطرة
سلطة الإحتلال الأميركي بموجب
قرارات صادرة عن الأمم
المتحدة.
ولم
تكتف أنقرة بجهودها الذاتية،
بل تولت حليفتها الإستراتيجية
الأخرى، إسرائيل، التي تطمح
في إيصال أقدام حليفتها الى
موقع أقرب الى الحدود
الإيرانية عبر منافذ العراق
الشمالية، ممارسة ضغوط غير
مرئية على أميركا بغية دفعها
الى التجاوب مع المطالب
التركية. في ما بعد، توضح أن
واشنطن وافقت على المطلب
التركي. لكن الهجوم الذي بدأ
حامياً، توقف على حين غرة. بل
إن أنقرة أعلنت سحب قواتها من
كردستان العراق. هذا رغم أن
الأميركيين لم يخفوا تقديمهم
مساعدت إستخباراتية كبيرة
للطيران الحربي التركي.
لا جدال
في أن كثيرين توقعوا هذه
النتيجة المخيبة لآمال أنقرة
قبل وقوع الهجوم بفترة غير
قصيرة. فحزب العمال الذي يقبع
رئيسه عبدالله أوجلان في
معتقل تركي معزول منذ 1999،
يحوز على تعاطف كردي لافت
خصوصاً داخل تركيا. هذا رغم
طروحاته المتشددة وطبيعته
العنيفة وإنطوائيته المخيفة.
كما أنه يمتلك جيشاً من
المقاتلين المدربين رغم أن
عديد هذا الجيش لا يتجاوز ستة
آلاف مقاتل ينتشرون على جانبي
الحدود العراقية - التركية.
الى ذلك، يتحرك هذا الحزب
المسلح الذي ينتهج أساليب حرب
العصابات وفق خبرة قتالية
تمتد لأكثر من خمسة وعشرين
عاماً. ورغم أنه قضى الردح
الأكبر من هذه الفترة في
نشاطات دموية غير مجدية، إلا
أنه نجح في بناء عصابات
متمرسة وتنظيمات حزبية واسعة
الإنتشار داخل تركيا وخارجها.
غير أن
التوقعات الخاصة بإخفاق
الوسيلة العسكرية في القضاء
عليه، لم تقتصر على مكامن
للقوة لدى حزب العمال. فهذه
المكامن تظل في محصلتها
النهائية تحمل جذوراً للضعف.
بل تعود في مجملها الى عوامل
سياسية ظلت أنقرة تلح على عدم
إيلائها الإهتمام المطلوب.
فالاساليب العسكرية لم تثبت
يوماً نفعها في حل المشكلات
السياسية. أقرب الأمثلة في
هذا الصدد ما يتعرض له
فلسطينيو قطاع غزة من دمار
وقتل وإجتياحات اسرائيلية
يومية. ثم إن ساحة العمليات
التركية، أي كردستان العراق،
جزء حيوي من دولة عراقية تخضع
لسلطة إحتلال الولايات
المتحدة بموجب قرارات صادرة
عن الأمم المتحدة، ما يعني أن
خرق حدوده لن يعني سوى خرق
السيادة العراقية التي تتولى
واشنطن حمايتها. والأهم أن
هذه الساحة التي تريد أنقرة
تحويلها الى ساحة حرب مفتوحة،
هي بمثابة الإقليم العراقي
الوحيد الذي ينعم بإستقرار
أمني وسياسي ثابت وإزدهار
إقتصادي لافت. كما أنه
الإقليم الوحيد الذي يراهن
الأميركيون على تحويله الى
نموذج للعراق كلّه. علاوة على
هذه الحالة، هناك أيضاً مخاوف
لدى الأميركيين من أن تفضي
العمليات العسكرية التركية في
هذه المنطقة الى ساحة لصراعات
إقليمية قد تصعب السيطرة
عليها. فهذه المنطقة التي
تنشط في جبالها الوعرة
مجموعات مسلحة وسياسية
معارضة، إيرانية مثلاً، قد
تغري دولاً تستهدفها هذه
المجموعات بشن عمليات عسكرية
شبيهة بالعمليات التركية.
هذه
الاسباب وأخرى غيرها مجتمعة
دفعت واشنطن طوال السنوات
الأربع الماضية الى معارضة أي
إجتياح عسكري تركي. لكن تصاعد
وتيرة الخلافات الداخلية
التركية، خصوصاً لجهة
الصراعات الخفية بين مؤسستيها
العسكرية والسياسية، أدت
بواشنطن الى السماح بشن
عمليات عسكرية ضد مواقع محددة
لحزب العمال في كردستان
العراق. يشار الى أن
الأميركيين كانوا قد سمحوا
للطيران الحربي والمدفعية
التركية، قبل بدء العمليات
البرية بنحو شهر، بشن عمليات
قصف مهّدت للهجوم البري.
والأرجح، أن الخلافات بين
المؤسستين كانت قد وصلت الى
حافة خطيرة. فالعسكر ظلوا
يؤكدون أنهم قادرون على
القضاء على حزب العمال إذا
أطلقت الحكومة أيديهم. فيما
ظل الساسة، يشددون، بين فينة
وأخرى وبشكل غير معلن، على أن
الواجب الأهم للعسكر هو
العودة الى معسكراته وترك
السياسيين أحراراً في حل
مشكلة حزب العمال بهدوء
وروية.
هنا، لا
يستبعد أكثر من مراقب أن تكون
واشنطن قد أعطت إشارة السماح
بالهجوم لسببين: الأول،
لإمتصاص نقمة مؤسسة الجيش.
والثاني، لقناعتها أن
العمليات العسكرية حتى إذا
وقعت، فإنها ستثبت ميدانياً
عجزها عن القضاء على حزب
العمال، ما يمكن أن يزيد من
فرص الحلول السياسية التي
تنادي بها الحكومة.
في هذا
الإطار، ظل وزير الدفاع
الأميركي روبرت غيتس الذي زار
أنقرة قبل يوم من سحب القوات
التركية، واضحاً في تأكيداته
أن المشكلة التي ذهب الجيش
التركي لحلها خارج الحدود لا
يمكن أن تجد حلها العملي إلا
في إطار سياسي داخلي تركي.
وقد شدد غيتس على هذه الكلمات
رغم تأكيده أن حزب العمال عدو
مشترك لكل من تركيا والولايات
المتحدة والعراق. وكان من شأن
هذه التصريحات التي أعقبتها،
بعد اقل من ثلاث ساعات،
تصريحات متناغمة من الرئيس
الأميركي، أن توحي لكثير من
المراقبين أن واشنطن تريد من
سياسة سماحها بالهجوم التركي
إصابة عدة عصافير بحجر واحد:
-إقناع
الجيش بالتخلي عن التمسك
بالخيار العسكري والإقتناع
بجدوى التخلص من حزب العمال
وسلاحه وقواعده عبر الوسائل
السياسية. ففي قناعة واشنطن،
أن الضغط العسكري المتواصل
عليه لن يفضي سوى الى لجوء
حزب العمال الى التعاون
والتنسيق مع المجموعات
الدينية الإرهابية داخل تركيا
من جهة، وطلب الدعم من إيران
والمجموعا§ت الإرهابية داخل
العراق من جهة ثانية.
-إقناع
الحكومة التركية، والجيش
أيضاً، بأن تركيا لن تستطيع
حل مشكلة حزب العمال بشكل
سلمي إلا عبر التعاون
والتطبيع مع حكومة إقليم
كردستان العراق.
-إقناع
المؤسستين بالشروع في حل
المشكلة السياسية الكردية
داخل البلاد، لأن إستمرار
تجاهل هذه المشكلة لن يؤدي
سوى الى نشوء أحزاب ومجموعات
كردية إرهابية أخرى حتى في
حال نجح الجيش التركي،
إفتراضاً، في القضاء على حزب
العمال الكردستاني بشكل
عسكري.
الأرجح
أن الجيش التركي حاول تحقيق
الهدف الذي جاء من أجله،
وكانت قناعته أن الخروج
بإنتصار، ولو صغير، سيساعده
في تثبيت مواقعه في تركيا
والحؤول دون مضي حزب العدالة
والتنمية في برامجه
الإصلاحية. لكن الرياح لم تجر
كما إشتهت سفنه. بل ان الفرصة
الأخيرة التي منحتها واشنطن
لوضع خياره الحربي قيد
التجربة، ضاعت في عشرة ايام.
والمفارقة، أن عجزه عن تحقيق
الإنتصار المنشود تحوّل، مع
الإنسحاب والإنكسار الذاتي،
الى إنتصارات سياسية سرعان ما
وقعت في أحضان أطراف دعت الى
نبذ العنف والتعامل بشكل
سياسي وسلمي مع الشأن الكردي،
منها حكومة أردوغان وواشنطن
وكردستان العراق، بل حتى حزب
العمال. لهذا، قد لا نغالي إن
قلنا إن النتائح التي انتهت
إليها العمليات التركية
الأخيرة، أخذت تؤشر الى دخول
الجيش التركي عتبة مرحلة
التراجع من مواقعه في قصور
السياسة الى مواقعه الحقيقية
في المعسكرات.
غرفة نوروز الصوتية
عودة
للصفحة الرئيسة
|