jindiręs.comJindiręs@yahoo.com
![]()
ما بين العنف واللاعنف
المحامي مصطفى مجيد
إن الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) تعّرف الثورة بأنها مصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل او أسوأ من الوضع القائم و قد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 أو عسكرية وهي التي تسمى انقلابا مثل الانقلابات التي سادت أميركا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات،الستينيات من القرن العشرين، , أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية { 1954-1962} كما قد تعني الثورة في معنى آخر التطور الايجابي كما هو متعارف عليه في مجال التكنولوجيا و العلوم التطبيقية حيث يستخدم مصطلح ( ثورة ) في الإشارة إلى ثورة المعلومات و التكنولوجيا .
ومن أساليب الثورة قد تكون عنفية أو لا عنفية علماً أن العنف واكب معظم الثورات في العالم وما إن يتبادر إلى ذهن كل فرد فينا كلمة الثورة حتى يقودنا هذا المعنى بدون مقدمات إلى التمرد- العنف- القتل – وإلى اللجوء إلى العنف عن طريق الأسلحة المتوفرة لتغيير الواقع أو لتحقيق أهداف تلك الثورة بحسب طغيان هذا الأسلوب على غيرها من الأساليب والتي تقود جميعها إلى مركز التقاء واحد وهو أن الإنسان هو الخاسر الأكبر من هكذا أسلوب من الثورة ، وذلك بغض النظر فيم إذا كانت أهداف تلك الثورة نبيلة وسامية كالتخلص من الظلم أو التحرر من العبودية أو الحصول على الاستقلال ودحر العدوان أو الانتصار لمفهوم أو معتقد قد تكون سياسية أو دينية , فإذا تمعنا وتأملنا بشكل جلي في معظم الثورات والتي قامت منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتي كان الوجه العنفي الأسلوب المتبع كوسيلة ناجعة , والتي ترافقت مع إدخال البارود في صنع الأسلحة التدميرية حتى بدأ الإنسان فيها أداة وقود لتلك الثورات حيث كان الخاسر الأعظم من كل ثورة يخوضها فما الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية إلا نتيجة لترجم ثورة غضب وشعور بالظلم قادتها جموع غفيرة من الفقراء والعامة الذين دفعهم الظلم والجوع إلى اللجوء إلى الدافع الغرائزي في الانتقام وحرق كل شيء كان سبباً لمأساتهم فكان الإنسان أداة قتل وضحية في نفس الوقت، إن نموذج "الثورة الإسلامية" لهو حي وماثل أمام أعيننا. لقد أطلق على أكثر أشكال الخرافات تخلفاً وأكثر الأوضاع شقاءً اسم "ثورة". لقد أطلقت أكثر العناصر رجعية اسم الثورية على نفسها.
إلى جانب هذا الشكل من الثورة برز شكل أكثر إنسانية وهو اعتماد اللاعنف في حل النزاعات المستعصية (كالاعتصام المدني والمسيرات السلمية ) ،
اللاعنف هو وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر.
وكان المهاتما غاندي الرائد في ذلك الذي تأثر بأفكار الروائي الروسي ليف تولستوي ، لكن ما من شك في أن التراث الروحي الهندوسي هو الذي زوَّد غاندي بالأدوات الفكرية والنفسية والعملية للعمل الداخلي واختبار هذا الأسلوب . واعتماد هذا النهج في الثورة ، فحين كان لينين في عام 1917 يكتشف ثورة البروليتاريا بالعنف المسلح ، كان غاندي بطريقته الناصعة الفريدة ، يكتشف الثورة باللاعنف ، فجميع الثورات التي قادها الشعوب والقادة والتي كانت أداتها القتل والتدمير لا يضاهي بحسب مفهوم غاندي بكاء طفل يتّم وشرّد بسبب الثورة العنفية ، فالثورة النوعية التي قادها غاندي كانت تستهدف الحقيقة كغاية واللاعنف هو الوسيلة ،والحقيقة عنده لم تكن مطلقة مجردة ومبهمة بل يكتشف إختبارياً في كل حالة على حدة والوسائل بالطبع تصنع الغايات ، غاندي بمفهومه قدس الإنسان ، بل حتى جعله الهدف الذي من أجله يستهدف الغاية وهو الوصول إلى الحقيقة ، ففي إحدى المرات وعندما كان عاكفاً بصيامه الأخير والذي دام (21) يوماً أثنى عليه جواهر لال نهرو بترك صيامه لأن هدفه تحقق وطرد الإنكليز من الهند حينها ردّ عليه غاندي مخاطباً أتباعه من الهندوس أنه لن يترك صيامه حتى تطردون الشيطان من أنفسكم وذلك اثر الحرب الطائفية الذي حدث بين المسلمين والهندوس بعد خروج الإنكليز والذي راح ضحيتها حوالي (500000) ألف شخص ، فثورة غاندي لاينتهي ولو أن الإنكليز خرجوا فثورته الإنسانية يحارب الشر حتى في نفوس أتباعه ويبحث عن الحقيقة ، عن السلام وخير البشرية وهو مدرك تمام الإدراك أن اللاعنف وحده قادر على استعادته ، ثمة حاليًّا تنافس كبير بين السلام العالمي والحرب العالمية، بين قوة الروح وقوة المادية، بين الديموقراطية والتوتاليتارية. والآن، في هذا القرن، فإن التفوُّق من نصيب قوة السلام. من الأكيد أن القوة المادية ما تزال قويةً جدًّا، لكن يبدو كما لو أن هناك سأمًا من المادية،
إن هذا القرن تؤكِّد فيه أن اللاعنف الذي تكلَّم عليه المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ. وحتى في وجه قوةٍ عظمى،والتي تملك كلَّ هذه الأسلحة المريعة، يمكن لواقعية الحالة أن ترغم الأمَّة المعنية بأن تقبل باللاعنف. إنها عملية أبطأ أحيانًا، لكنها أكثر فاعليةً. والمستقبل كما أظن سيحمل بين طياته اتساع نطاق الصيغ اللاعنفية في حل مشكلات المجتمعات وتحقيق ما يصبوا إليه أبناؤه شريطة نشر ثقافة اللاعنف بين الأفراد والبرهان أمامهم بأن اللاعنف كأسلوب في حل المشكلات والأزمات التي تواجههم هو أفضل من أسلوب العنف والقوة الذي لا يتمخض عنه سوى الدمار والهلاك وتدمير مقومات الحضارة المادية وغير المادية .
![]()