jindiręs.comJindiręs@yahoo.com 

 

                                       الكرد: نبذة وجيزة

الجزء الأول من الفصل الثالث

مهرداد ئيزادي

ترجمة عن الأنجليزية: هادي محمد

التأريخ

اعادة بناء التأريخ الكردي من المهام الصعاب. و يضم غالبا الأقحام (اضافات –المترجم-) "interpolation" و الاستنتاج او التقدير الاستقرائي (extrapolation) من جملة متنوعة من المصادر لم تكتب للكرد و لا حول الكرد. تمت كتابة التأريخ الشرق أوسطي غالبا ( و ان لم تكن دائما) من قبل الأطراف المهيمنة عليه، و في زمن جد قريب من قبل الدول القومية الحديثة. لم يكن الكرد مهيمنين لأكثر من 800 عام. و النتيجة هي انه قد تم تجاهل أسهامات كردية في التاريخ، أو حصل ما هو أسوأ، و هو الاستيلاء على تلك الاسهامات من قبل شعوب اُخرى (فيما يخص من و ما يعتبر كرديا في هذا العمل أستشر المقدمة و الهوية القومية). من شأن أي جهد رائد يبذل لإعادة بناء التاريخ الكردي من فتات مطمورة و مهملة منذ وقت طويل، من شأنه ان يثير تساؤلات و يولد الجدال، بغض النظر عن مدى شدة البحث في أهتمامه بالتفاصيل. ينبغي توقع ذلك لأنه يتحدى الوضع الراهن. فإذا ما استطاع هذا العمل أن يحث على اجراء مزيد من البحث و الاستقصاء العلميين، سيكون قد اوفى بغرضه.

 

زمن ما قبل التأريخ و التطور التقني المبكر: 10000 الى 3000 لما قبل الميلاد

 

تعد هذه الفترة على الأرجح الفترة الأكثر جدارة بالإلتفات في تأريخ كردستان. التقدم التقني و الاكتشافات المنجزة في الاراضي الكردية المرتفعة في الـ 7000 آلاف سنة التي سبقت نشوء ميزوبوتاميا (3000 لما قبل الميلاد) غيّر و الى الأبد مسار التأريخ البشري كما غير وجه هذا الكوكب الى غير ما كان. كثير مما انجزته حضارة الأراضي المنخفضة لميزوبوتاميا قبل 5000 عام، بدأت 7000 عام قبل ذلك في الجبال و الوديان المجاورة في كردستان (أي مجاورة لأراضي ميزوبوتاميا المنخفضة –المترجم-). ان الدلائل الأثرية و تلك المتعلقة بعلم الحيوان و النبات على الأهمية القصوى لكردستان في تطور الحضارة لهي دلائل وافرة و موثقة بشكل جيد.

 

تنتشر مواطن الكهوف (أي الكهوف المستخدمة كموطن للبشر –المترجم-) الخاصة بالعصر الحجري القديم و الأوسط (أي ما يعود تأريخه لما قبل 10000 عام) هنا و هناك بأعداد كبيرة في كردستان الجنوبية و المركزية. و يعود تأريخ مستوطنات الكهوف في بيستون "Behistun" (جبل بيستون) في الجنوب الى حوالي 100000 عام، بينما يعود تأريخ مستوطنات الكهوف في شانيدار الى 55000 عام. التقدم التكنولوجي و التعبير الفني لثقافات العصر الحجري القديم و الأوسط تلك متماثلة الى حدما مع ثقافات المستوطنات الأخرى في الشرق الأوسط و اوروبا الجنوبية.

 

و على العكس، فكان لفترة العصر الحجري الحديث في كردستان طبع مختلف اختلافا جوهرياً. يبدو الآن أن كردستان كانت موقعا رئيسا، ان لم تكن الموقع الرئيس، لثورة العصر الحجري الحديث. أجتاز قاطنو كردستان مرحلة غير مفَسَّرة من التطور التكنولوجي المتسارع، وازعا اياه قوى غير معروفة على وجه التحقيق حتى ذلك الحين. و أنهم سابقوا نوعا ما بشكل سريع المجتمعات المحيطة بهم و التي كان معظمهم بين المجتمعات الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية في العالم، ليشرعوا في التحول من الاقتصاد متدني الكثافة المتميز بالصيد و جمع الثمار الى أقتصاد عالي الكثافة متميز بإنتاج الأغذية.

 

كانت كردستان، المحيط الشمالي الجبلي للهلال الخصيب التأريخي، كان موطن تطوير و تطبيق تقنيات محلية و أقتصادية مبكرة كثيرة و طرق لإنتاج الأغذية. جملة ذات أهمية كبيرة من الأدلة الأثرية تشير الى الجبال الكردية كونها موقعا لإبتكار الزراعة منذ حوالي 12000 عام (Braidwood 1960). و أنتشرت هذه التكنولوجيا الثورية فيما بعد من الجبال الكردية الى أراضي ميزوبوتاميا المنخفضة المجاورة و الى تلال اناضول الغربية و هضبة ايران. و منذ حوالي 8000 عام كانت قد أنتشرت اكثر الى شمال أفريقيا و اوروبا و شبه القارة الهندية. و بذلك تكون كردستان الموطن الأصلي لكثير من المحاصيل الشائعة و الحيوانات المدجنة (Ucko and Dimbleby 1969; Berg and Protsch 1973; Wright 1969).

 

بدأ الانتقال من جمع الأغذية الى انتاج الأغذية داخل النطاقات الجغرافية الطبيعية لأسلاف الوحوش للحيوانات و النباتات المدجنة الأوائل و التي تقع في المنطقة العامة لجبال زاكروس (Braidwood and Howe 1960, 1962; Braidwood 1972). أضف الى ذلك، تشير البراهين الموجودة بقوة الى أن سفوح الجبال و الوديان الواقعة بين الجبال على طول السلاسل الجبلية الكردية (مع رعن "أي أنف الجبل –المترجم-" يمتد الى الأسفل الى داخل سامرة) تشير اليها كونها السياق الجغرافي الرئيس لهذا الانتقال (Whallon 1979).

 

و بالطبع جعلت الزراعة من تدجين الحيوانات و النباتات المتطلبة شيئاً ضرورياً. و قد قام بتدجين أسلاف قمح و شعير و جاودار و شوفان و بسلّي ( البازلاّ –المترجم-) و عدس و فصفصة و كروم عصرنا الحاضر لأول مرة، أسلاف كرد عصرنا الحاضر قبيل الألفية التاسعة لما قبل الميلاد. و لاتزال تنبت الأنواع (species) البرية لأكثر أنواع الحبوب و البقوليات شيوعا كأعشاب غريبة في زاكروس و شرقي طوروس و بدرجة أقل في جبال أمانوس (أنظر الأرض و البيئة).

 

و تم أكتشاف بقايا لبعض مواعز و نعاج و كلاب و خنازير حيث تم تدجينها لأول مرة في ثلاثة مواقع أثرية رئيسة في كردستان و هي: جايونو"Cayonu" (الواقع قرب ديار بكر المعاصرة في كردستان الغربية) كنجي داره "Ganj Dara" (الواقع في الشمال الغربي لكرمنشاه في كردستان الجنوبية و الذي يعود تأريخه لما قبل 10000 عام)، و جرمو "Jarmo" (الواقع شمال السليمانية المعاصرة في كردستان المركزية و الذي يعود تأريخه لما قبل 8000 عام).

 

بحلول بداية الألفية الثامنة لما قبل الميلاد كانت لمعظم المجتمعات (community) الزراعية في كردستان حيوانات مدجَّنة. و تضيف ثروة بقايا المعدات الزراعية و معدات معالجة الحبوب و احجار الرّحى و هاونات و مدقاتها الى السجلات (pollen records)(1) كدليل راسخ على ترسيخ الزراعة في كردستان في ذلك العصر.

 

و النمو الاستثنائي للسكان و الانتاج، و المتمخض عن عمليات التقدم هذه أدى الى استكشاف و ابتكار تقنيات كثيرة أخرى. واصلت حضارة كردستان سيرها على طريقها التقني الثوري لتبتكر أو تساهم بشكل كبير في علم المعادن (metallurgy) و الحياكة الشائعة و صناعة الفخار باستخدام النار و كذلك التقدم في فن العمارة و التمدين و الكتابة.

 

و أصبح المجتمع في جايونو أحد أقدم المجتمعَين في العالم الذي ثبت وجود علم المعادن فيه (Braidwood 1969, Caldwell 1967). و يعود تاريخ الأدوات النحاسية التي تم اكتشافها هناك الى النصف الأول للألفية الخامسة لما قبل الميلاد. و البرونز، و هو أشابة (خليط من معدنين أو أكثر –المترجم-) من النحاس و القصدير، و هو أكثر صلابة و أكثر فائدة من النحاس و يذوب في درجة حرارة أدنى، الأمر الذي يجعل من العمل عليه أكثر سهولة. و تظهر أدوات برونزية في جايونو مبكرا في الألفية الرابعة لما قبل الميلاد – أي قبل 2000 عام بالكامل من ظهورها في أوروبا.

 

و ما سهّل عمليات التقدم الحاصلة في علم المعادن كان دُنو خامات المعادن الضرورية. بينما تفتقر السهول الغرينية لميزوبوتاميا افتقارا كاملاً للرواسب المعدنية، تزخر جبال زاكروس و طوروس و أمانوس و كذلك التكوينات البركانية في يهودا بهكذا رواسب. و في الحقيقة يمكن تسمية المنطقة التي تتمحور حول جايونو بأقدم موقع صناعي غابر في العالم بالمعنى الصحيح، بما ان صناعة السلع من صهر و تأشيب النحاس التي بدأت هناك قبل حوالي 7000 عام تتواصل ليومنا هذا(أنظر الموارد الطبيعية و المعادن).

 

و في نفس الوقت، تظهر و لأول مرة في جايونو و كذلك في كنجي داره (على الجانب المقابل لكردستان قرب كرمنشاه) صناعة الفخار التي تستخدم فيها النار ( مع تُمَيثيلات "أي تماثيل صغيرة –المترجم-" مصنوعة من الصلصال باستخدام النار) في أوائل الألفية الثامنة لما قبل الميلاد (Majidzadeh 1975). بينما كانت الأواني عادة من الحجر أو الخشب أو الجص أو السِّلال (جمع سلة –المترجم-) في فترة العصر الحجري الحديث، احدث ظهور الفخاريات طويلة البقاء و متعددة الاستخدامات ثورة في الحياة المنزلية، و ثبت أن المجتمعات الأخرى كانت تسعى وراء تلك التقنية سعيا حميماً. و انتشرت بسرعة كبيرة جدا الى المناطق المجاورة و اصبحت واسعة الانتشار في جميع ارجاء الشرق الأوسط في مدة اقل من 1000 عام، حوالي 7000 عام لما قبل الميلاد (Roaf 1990, 42).

 

قرب كنجي داره (Ganj Dara)، في تلة سي كابي (Seh Gabi) القديمة يظهر ايضا النموذج الأول في العالم للفخاريات المزجّجة قبل حوالي 3500 لما قبل الميلاد و التي تسبق تقنية التزجيج في ميزوبوتاميا و الصين بـ 2000 عام (Vandiver 1990; Levine 1974). تم بحث مشاركة كردستان في تطوير تقنية الحياكة (أو النسيج –المترجم-) في المدخل المعنون بـ (السجادات و البناء).

 

في أواخر الألفية الثامنة لما قبل الميلاد اصبح المجتمع الكردستاني معقداً على نحو كاف بحيث تكون بحاجة الى سجلات للتبادلات التجارية. تظهر هذه السجلات لأول مرة في كردستان كالواح طينية صغيرة (tokens) و بأشكال مختلفة، حيث يرمز كل شكل الى مادة معينة للتجارة و الى رقم معين. و بدأت الالواح الطينية الصغيرة تحمل علامات أضافية قبل 7500 عام. بما أن المدلولات التي كانت تحملها تلك العملات الطينية ازدادت تعقيداً لكل تعامل تجاري، كانت العملات توضع في غلاف طيني و كانت في بعض الأحيان تربط ببعضها البعض من ثقب في وسط العملة كي يشكل تسلسل العملات جملة (Schamandt-Besserat 1986, Nissen, 1986). بحلول 3000 لما قبل الميلاد، كان قد أصبح الغلاف الطيني نفسه السجل، و بذلك حل محل الالواح الطينية الصغيرة. ما زالت اللوحات الطينية المسمارية القديمة تحتفظ بالمظهر الناتئ لاغلفة العملات القديمة دون أن تكون فيها أي عملات في الداخل. بدأت الكتابة بالمعنى الحديث للكلمة على هذه الصورة.

 

فالعلامات المسمارية الصورية المبكرة هي في الحقيقة رسومات (impressions) للعلامات، و لكنها سرعان ما تطورت الى اشكال اكثر رمزية وزادت تعقيداً أيضاً (Green 1981). كما كانت الحال بالنسبة للمجالات الأخرى، فاقت ميزوبوتاميا كردستان في تطوير الكتابة بحلول بداية الألفية الثالثة لما قبل الميلاد. في كردستان و في جبال زاكروس تواصل استخدام نظام الالواح الطينية الصغيرة الأكثر بدائية و الأكثر خصوصية بذلك البلد، كوسائل أولية لحفظ السجلات لفترة أطول. شهدت الكتابة تطوراً سريعا في ميزوبوتاميا، و اُستخدمت في كردستان فقط في العلاقة مع الاواح الطينية الصغيرة. و ظهرت لأول مرة في كودين (Godin) قرب كنكاور (Kangawar) الحديثة في كردستان الجنوبية قبل 4500 عام، اللوحات الطينية التي حملت سجلات مكتوبة بكتابة تصويرية عرفت بـ "العيلامية الأم او الأصلية" و ذلك في غياب مصطلح أفضل استخداما منه. أذا اعتبرنا نظام الالواح الطينية الصغيرة في ذاته لا-كتابة (أي اذا لم نعتبره كتابة –المترجم-)، يجعل هذا التأريخ من كردستان موطناً لأحد أقدم المجتمعات التي عرفت القراءة و الكتابة في العالم، و المجتمع الثاني الوحيد الذي يجاور ميزوبوتاميا، مع مستوى غير معروف من التأثير في تطورات مشابهة في الهضبة الايرانية المجاورة.

 

ساعدت الموارد الغذائية الهائلة و المستويات المعيشية العالية على ازدهار السكان في كردستان. و في وقت قصير نسبياً، أزداد سكان كردستان في الأقل عشرة اضعاف، أي من ما يقارب 15000 نسمة في 10000 لما قبل الميلاد الى حوالي 150000 نسمة في 9000 لما قبل الميلاد. برزت دُول، او بالأحرى دول-مدينة "city-states"(جمع دولة مدينة أي دولة قائمة على مدينة واحدة –المترجم-) لأول مرة الى حيز الوجود في حوالي الألفية الثامنة لما قبل الميلاد (Wright 1977).

 

أصبحت مواقع جايونو (Cayonu) و اويلوم (Oylum) و هويوك (Hoyuk) و تيتريش (Titrish) (في كردستان الغربية) و جَرمو (Jarmo) و تبه كه وره (Tapa Gawra) (في كردستان المركزية) و كنجي داره (Ganj Dara) و جيان (Giyan) (في كردستان الجنوبية) و مع اريحا في يهودا، اصبحت أولى المجتمعات الحضرية على ظهر هذا الكوكب، رغم أن هذه "المدن" كانت متواضعة جداً من حيث الحجم ( 1000 – 1500 ساكن). و في ذلك العصر، اقتصر بالطبع معظم بقية العالم على السكن في الكهوف. كانت لتلك المواقع الحضرية معابد متواضعة و أتبعوا بوضوح بالغ خطة للعلاقة المكانية بين المباني مع بعضها البعض و مع محيطها العام. كما عُينت مواقعها ستراتيجياً في المنظر الطبيعي(landscape) و ذلك بغية الانتفاع منها أقصى انتفاع في التجارة و الزراعة و الدفاع.

 

ان السخاء الطبيعي للأرض و سهولة الدفاع عن المنظر الطبيعي الجبلي جعلا من توسيع البيروقراطيات (النظام الديواني الاداري أو نظام حكم المكاتب –المترجم-) الناشئة و الجيوش غير ضروري حيث ابقوا على الحكومات المحلية صغيرة و من سلطتها القانونية(أو مداها –المترجم-) محدودة. و على العكس من ذلك، ففي السهول الغرينية المجاورة لميزوبوتاميا، جعلت الحاجة الى الادارة المستمرة للموارد القليلة (عن طريق أعمال الري و السيطرة على الفيضانات) و الدفاع عن المنظر الطبيعي المكشوف (المعرض للخطر –المترجم-) جعلا وجود قسط كبير من التنظيم البيروقراطي و قوة عسكرية قائمة، شيئاً ضرورياً. و نمت المدن مع نمو الحكومات. كانت مدن ميزوبوتاميا الأقدم، أي مدن السومريين و الأكديين، كمدن أريدو و نيبور و أور و اوروك، كانت في المعدل عشرة اضعاف مدن كردستان من حيث كثافة السكان اذ كان لديهم حوالي 10000 – 15000 ساكن و أنظمة دفاع هائلة و مَهيبة (formidable).

 

و صلت الحضارة في كردستان اوجها في الازدهار أثناء الفترة التي تسمى بفترة هَلَف (Halaf) الثقافية، حوالي 6000 – 5000 عام لما قبل الميلاد. و تمت تسمية الفترة باسم رابية هَلَف القديمة في كردستان الغربية، الواقعة غرب ماردين (الخارطة 12). تميزت ثقافة (culture) هَلَف بانتشار وحدات سكنية دائرية متماثلة و مبنية بناءً جيداً و انتاج فخاريات مصنوعة بمهارة و مصبوغة باتقان و تأنق. يبدأ تاريخ اولى الأدلة الراسخة للتجنسة (homogenization) الثقافية لقاطني كردستان من فترة هَلَف و التي تتألف من تواحُد أو تطابق (uniformity) التعبير الفني و الثقافة المادية التي توجد في أطراف كردستان المختلفة(Roaf, 1990, 51). هذه الوحدة أو التواحد في طراز البناء و فنون الزخرفة على درجة من القوة بحيث حدت بكثير من علماء الآثار الى الإيحاء بوجود وحدة أثنية بين الناس الذين قاموا بتطبيقها (Von Oppenheim 1931). على نحو مثير للدهشة، ما زال كثير من العناصر الزخرفية لثقافة هَلَف باقية حتى الآن في الفن الكردي المعاصر (Mellaart 1975) (أنظر التصاميم الزخرفية و الموتيفات(2)).

 

بحلول ختام فترة هلف، كان مستوى حضارة بلاد ميزوبوتاميا المنخفضة و تطورها التقني قد وصلا الى حد يجاريان فيه تلك العائدة لبلاد كردستان المرتفعة. و كانت قد تفوقت بوضوح على كردستان بحلول بداية ما يسمى بالحقبة التأريخية (Historical Era) ، حوالي 4000 عام لما قبل الميلاد، و تدشين فترة الثقافة الخورية Hurrian في كردستان. تزامنت هذه الحقبة الجديدة مع ظهور واسع النطاق للكتابة و توسع للحكومة و اضفاء الصفة المؤسساتية (institutionalization) على الدين (أي جعله مؤسسة –المترجم-) و التفجر الحضري و ما يُشاع تسميته بـ "الحضارة المتعلمة" (أي غير أمّية تعلم القراءة و الكتابة –المترجم-) تنتقل من "ما قبل التأريخ" الى "الحقبة التأريخية".

 

تكنولوجيا الزراعة

و انتشار اللغة الهندو-اوروبية

تعرض الآن بضع نظريات جديدة، يناصرها كولن رينفرو (1988)، بأن تكنولوجيا جديدة الا وهي الزراعة، كانت القوة المحركة وراء الانتشار الأصلي للغات الهندو-اوروبية. تجزم هذه النظريات بأن متحدثي اللغة الهندو-اوروبية الأصلية (الهندو-اوروبية الأم –المترجم-)، لغة أورسثراش"Ursprache" الوهمية، وسّعوا من مملكتهم من خلال انتشارهم الى اوروبا خفيفة السكان و غير الزراعية و من ثم الى السهوب (جمع كلمة السهب التي تعني سهلاً واسعاً معشوشباً خالياً من الأشجار –المترجم-) الأوراسية من أناضول الزراعية الكثيفة السكان. و بذلك انهم يضعون الموطن الأصلي لأسرة اللغات الهندو-اوروبية في منطقة تتمحور حول جتل هويوك (Chatal Huyuk) جنوب أناضول المركزية. يعود تأريخ الزراعة في جتل هويوك كما أقر بذلك رينفرو و تم عرضه أصلاً من قبل منقب تلك المنطقة جيمس ميلارت (1975)، الى الألفية السابعة لما قبل الميلاد فقط، أي بعد أكثر من 2000 عام من أظهار مواقع أثرية عديدة تم اثباتها في كردستان المجاورة (مثل جايونو قرب دياربكر) اظهارها وجود مجتمعات زراعية متطورة مع تقنيات فرعية متقدمة. و انتشرت تكنولوجيا الزراعة من كردستان باتجاه غرب أناضول بعد حوالي 3000 سنة من ابتكارها هناك. و التحق كاتبان سوفيتيان و هما؛ ت. كمكريلدز (T. Gamkrelidze) و ف. ايفانوف (V. Ivanov)(1990) بالمجموعة التي تربط أصل و انتشار اللغات الهندو-اوروبية بابتكار الزراعة. الا أن هذين الكاتبين يضعان الموطن الأصلي في الجناح الشرقي لكردستان و جنوب القفقاس. و على نحو يدعو الى الحيرة، أن كليهما يتجاهلان الحقيقة الموثقة جيداً التي مفادها ان الزراعة كانت موجودة بكامل القوة في مناطق متعددة داخل كردستان بفترة طويلة قبل وجودها في المناطق المحيطة (أي البعيدة عن المركز –المترجم-) في القفقاس و جتل هويوك.

 

رغم وجود جدال شديد حول هذه النظريات الا انها و عن غير قصد ترفع من شأن أناضول الشرقية، أي "كردستان" أقدم موطن للزراعة، ترفعها الى مرتبة الموطن الأم لأسرة اللغات البالغة الأهمية هذه. أَتفق تماماً مع مالوري (1989) في رفضه هذا النموذج الذي كان سيكون لافتاً لو كان بخلاف ذلك، لأنه يخلف وراءه أسئلة عديدة أكثر بكثير مما يحاول معالجتها. أضف الى ذلك، تجعل مناهج البحث الخاطئة، مقرونة بعدد من تباينات جغرافية و تأريخية مهمة، تجعل من هذه النظريات عرضة للشك في أحسن الأحوال.

 

التأريخ القديم: 3000 – 400 لما قبل الميلاد

تتسم هذه الفترة بكون ثقافات ميزوبوتاميا المجاورة القت بظلالها على كردستان من الناحية التكنولوجية و التجارية المتصاعدة. كما آذنت هذه الفترة بصراع على السلطة بين القوات العسكرية للجبال (كردستان) و بين القوات العسكرية لسهول الهلال الخصيب (ميزوبوتاميا و سوريا) للسيطرة السياسية و الاقتصادية على هذه الأرجاء الأكثر حضارة و غنى بين أرجاء هذا الكوكب. تتواصل التقدمات و التراجعات المتعاقبة من قبل الطرفين في صراعهما للتفوق، ليومنا هذا. كما تتسم الفترة القديمة بمجيء الآريين و بدء تحول كردستان الى مجتمع متحدث باللغة الهندو-اوروبية و التي تأوجت في الفترة الكلاسيكية.

 

لم يتم حل شفرة (أي لم تتم قراءة –المترجم-) و ترجمة مضمون الألواح المكتوبة المكتشفة بالتنقيب حتى الآن في كردستان و التي تم تصنيفها و تسميتها تجريبا بـ"العيلامية الأم". لذلك تظل هذه المصادر الأولية لتأريخ الكرد القديم غير قابلة للتوصل اليها في هذا الوقت. و بالنتيجة، تحب اعادة بناء تأريخ هذه الفترة باستخدام سجلات الحضارات المجاورة قدر اشارة هذه السجلات الى قاطني الجبال الكردية. يمكن ربط اشارات عدة كهذه الآن فقط باسماء عشائر و مناطق كردية حديثة معينة و ما شابه. الا ان الأسم قوتيل (Qutil) يمكن أن يقدم الينا اقدم صيغة للمصطلح الأثني كورد (Kurd) (أنظر الهوية القومية).

 

بين مملكات و مدن-دولة (City-States) مستقلة عديدة في كردستان قبل وصول الميديين الموحِّدين الى الواجهة (حوالي 1100 لما قبل الميلاد) كانت مملكات كومموخو (Kummuhu) و ميليدي (Melidi) و كوركوم (Gurgum) و اونكي أو اونقي (Ungi, Unqi) و كومانو (Kamanu) و كاشكو (Kasku) و نائيري (Nairi) و شوبريا (Shupria) اوركيش (Urkish) و موشكو (Mushku) و اورارتو (Urartu) و نمار (Namar) و سوبارو (Saubaru) و كورتي او قورتي (Qurtie) و ماردو (Mardu) و لوللوبي(Lullubi) و كاردو (Kardu) و زاموا (Zamua) و ايلليبي (Ellipi) و الأكثر أهمية منها مملكة ماننا (Manna) و قوتيل (Qutil). و تعرف تلك المملكات و مدن-الدولة في وقتنا الحاضر بشكل رئيس من خلال أسمائها الميزوبوتامية، حيث تنتظر أسماؤها الأصلية أن يتم أكتشافها. و من جهة أخرى خلف بعضها آثارها في أسماء لمناطق أو لعشائر كردية حديثة. و أسم موشكو (Mushku) باق اليوم في مدينة و منطقة موش (موس) في شمال غربي كردستان. قبل غزوهم من قبل الملك الآشوري تيغلاث فلايسر الأول (1114 – 1076 لما قبل الميلاد) كان بمقدور هذه المملكة أنزال 20000 عشرين الف جندي الى الميدان و يعتقد الآن بأنها تسببت في السقوط النهائي للحثيين في أناضول (Roaf 1990). و تم الاحتفاظ بأسم ماردو في الميثولوجيا الكردية كشخصية مارد الأنثربوموفية(3) و هو أحد الأجداد الأعلى للأمة. كما هو باق أيضا في أسم "مدينة" ماردين غربي كردستان. و قد أعطى الميليديون (أي أهل مملكة ميليدي المذكورة آنفا –المترجم-) أسمهم الى مدينة ملاطية التي تقع ايضا في كردستان الغربية، بينما تم الاحتفاظ بأسم اللولوبيين (أهل مملكة لوللوبي المذكورة آنفا –المترجم-) في الأسم الأثني للور "Lurs" (خارطة 13).

 

و في أواخر الألفية الثالثة لما قبل الميلاد نجح أهل مملكة قوتيل في التوحيد السياسي لكثير من مدن=الدولة التابعة لهم و قاموا بالنتيجة بغزو طامح خارج كردستان (الخارطة 14). و اسسوا سلالة حاكمة جديدة في بلاد سومر و أكد التي دامت من 2250 الى 2120 لما قبل الميلاد. تعد غزوات القوتيليين لأراضي سومر و أكد المنخفضة الغزوات الوحيدة التي توجد سجلات تأريخية بشأنها، و لكن قد لا تكون الغزوات الوحيدة التي تم انجازها.

 

يكتب الملك الأكدي نَرام سين (2291 - 2255) حول القوتيليين " … وسط الجبال نشأوا، أصبحوا يتسمون بطاقات و صفات رجولية، , اكتسبوا أعتباراً و مكانة…." و بعد خمس سنوات من وفاة نرام سين، فتح أهل الجبل هؤلاء انفسهم مملكته. يذكر السومريون في الأقل أحدى هذه العشائر المحاربة للقوتيليين الذين ما زالوا معنا ليومنا هذا. و هؤلاء هم الزيباريون الذين سموهم السومريون بسوبيرو أو سوبارو(Subiru or Saubaru). الزيباريون ما زالوا يعيشون في نفس الموقع العام الذي أشارت أليه كتابات سومرية يبلغ عمرها أربعة آلاف عام - شمال مدينة أربيل العراقية في كردستان المركزية. و تحتفظ اللوحات السومرية أيضا بأسم ملك قوتيلي أسمه تيريكن(Tirigan). و تيريكن هو أيضا أسم لعشيرة كردية مهمة في الفترة الكلاسيكية المتأخرة الا وهي تيريكان (Tirikan) الذين ما زالوا يعيشون شمال الزيباريين. ربما تكون هذه العشيرة قد أعطت أسمها لحاكم آخر من اصل كردي و هو تيكران (Tigran)؛ ملك الأرمنيين (القرن الثاني لما قبل الميلاد) (أنظر العشائر و التأريخ الكلاسيكي).

 

أتت المآثر الفعالة للقوتيليين في أوج فترة تجنسة للمجتمع الكردي نتيجة لعلميات الهجرة التي قام بها الخوريون. كان الخوريون يتحدثون لغة، او مجموعة لغات، من أصل شمال شرقي قفقاس و ذات صلة قرابة باللغة الجورجية و الشيشانية و الآفارية الحديثة(Diakonov and Starostin). انتشر الخوريون ليعموا كردستان قاطبة و ليحدثوا تغييرا ثقافيا و ربما لغويا على كل شعوب زاكروس القديم، موحدين اياهم ضمن هوية جديدة (أنظر الهجرات التأريخية) (ويلهيلم 1989). المصطلح الأصلي الوحيد الباقي الذي يخص تلك الفترات القديمة هو مصطلح يتعلق بفن الحكم. انها الكلمة القوتيلية أيَنزي أو يانزي (ianzi or yanzi) و التي تعني "شخص حاكم" لتلك الدول-مدينة في زاكروس. و مازال أثر أكثر اهمية بكثير لما تبدو أنها ثقافة ليبرالية سياسية لتلك الدول (دول-مدينة -المترجم) القديمة في كردستان مازالت باقية لحد الآن. نفهم بشكل غير مباشر من اللوحات الآشورية بأن على الأقل حاكم دولة الماننائيين في كردستان الشرقية (حيث يحتمل أن تكون عاصمتها واقعة في موقع حَسنلو (Hasanlu) الأثري) شغل منصباً أكثر ديمقراطية بكثير، و ذلك على النقيض من التقليد السياسي الاستبدادي المعاصر لسكان اراضي ميزوبوتاميا المنخفضة. ساهم المواطنون اسهاما فعّالا في الحياة العامة. و يكتب أ. م. دياكونوف و هو شخص ذو معرفة يمكن الاعتماد عليها عن تاريخ الدولة الميدية و دول اخرى في زاكروس"يبدو ان الملك الماننائي لم يحكم كحاكم مطلق، بل حكم بسلطة يحددها مجلس للمسنين". و في طلب دبلوماسي الى الملك الآشوري، لا يوجه الملك الماننائي كلامه بشكل شخصي، بل يوجهه مع "وجهاء و مسني قومه و أعضاء مجالس بلده" (دياكونوف، 1983، 73). يمكن ايجاد التقليد التعددي الماننائي و الثقافة الليبرالية السياسية بالنسبة الى غيرها، من وقت الى آخر بين الأُسر الحاكمة المهمة التي تجد جذورها في كردستان، من الماننائيين (Mannaeans) الى الحذيابيين (Adiabenes) الى الأيوبيين و الى الزند و هلم جرا.

 

بحلول 653 لما قبل الميلاد، كان البابليون قد وسّعوا من مصطلح قوتيل، و ذلك من خلال الحكم على لوحاتهم الباقية حتى الآن، ليشير الى كل الجبال الكردية و قاطنيها من ضمنهم الميديون، الذين بحلول ذلك العهد وسعوا من نفوذهم بثبات الى سواحل بحيرة فان في كردستان الشمالية. و لكنهم حافظوا أيضا على مؤشر موازٍ، و أحدث عهداً، للكرد و الذي كان قاردو أو قاردوك (Qardu, Qarduk)، و اللذان ربما نشآ من نفس المصطلح القديم؛ قوتيل. قد تكون للعنصر قارد (Qard) في الأسم صلة ما بالكلمة الأكدي