مع بداية شهر آذار من كل عام يستذكر أبناء وبنات الشعب الكوردي ذكرى
أليمة هي التاسعة والعشرين لرحيل القائد الوطني لأمتنا الكوردية ورمزها الخالد
مصطفى بارزاني الذي دافع بصلابة عن جمهورية مهاباد ويعود له الفضل الأكبر لا بل
الأساس في وضع أسس ومقومات اندلاع ثورة أيلول المجيدة التي أثمرت إتفاقية الحكم
الذاتي والتي كانت وستبقى إحدى أبرز نقاط التحول النوعية التي أضاءت التاريخ
الكوردي وأحدثت فيه تغييراً جذرياً بإتجاه تفعيله شكلاً ومضموناً عبر تقويم مساراته
ووضع قطار مسيرته فوق سكته التحررية التي عنوانها الأبرز الخيار الديموقراطي السلمي
الذي رافق سيرورة الحراك الكوردي على مدى أكثر من نصف قرن مكتظ بالانتكاسات حيناً
وبالإنتصارات أحيان أخرى.
هذا الخيار السياسي الصائب الذي تـَنبـّهَ لجدواه والتزم به
البارزاني الخالد في مراحل الضعف الكوردي أي في تلك الأزمان الغابرة لا بل الغادرة
بالكورد وبقضيتهم القومية العادلة التي لطالما تعرّضت لحملات التآمر عليها ودسّ
السمّ في دسمها لتجهيلها وطمسها وعرقلة آمال وطموحات أهلها...، لهو دليل ساطع على
أنّ هذا القائد التاريخي الذي كان يستمد قوته من إرثه النضالي قد إستطاع بوجدانيته
وبحكمته وبحنكته وبشجاعته وبسعة صدره وصبره وبآفاقه الرحبة أن يتجاوز مختلف الأمكنة
والأزمنة التي إلتفـّت حول تجربته التحررية وطوّقت أداءه النضالي الذي لم يتأثر
سلباً لأنّ الرجل كان يحمل فكراً حيوياً متنوراً ويضمر في مكنونه طاقة كامنة قادرة
على العطاء اللا محدود لتعزيز نضاله الذي خاضه منذ نعومة أظفاره وحتى يوم رحيله
المشرّف عن هذه الدنيا التي عاكسته وغدرت به لكنها لم تستطع أن تغدر بخريجي مدرسته
النضالية التي أثمرت قيادات سياسية وميدانية واعية لعبت ولا تزال تلعب دوراً بناءً
في إيصال سفينة الكورد إلى برّ الأمان وفق خطى راسخة وعلى هدى نهج البارزاني الذي
يُعتبـَر المعلم الكوردستاني الأول والذي سيبقى رمزاً حاضراً في ضمير كل إنسان
كوردي وكل مناصري الديموقراطية وحقوق الإنسان والشعوب في معمورتنا المحتاجة للحكماء
والعظماء على الدوام.
ولعلّ الشاهد الأكثر دلالة على مدى مصداقية وإنتاجية مدرسة
البارزاني التي راكـَمتْ كفاحها المرير إبان حكم البعث البائد والتي لا تزال تراكم
حراكها السياسي الديموقراطي اللاعنفي في كنف العراق الفدرالي...، هو ما يشهده اليوم
إقليم كوردستان العراق من مكاسب وتطورات لم يسبقها مثيل ولم تكن تتحقق لولا تواصل
التضحيات الجسيمة التي قدمتها الأجيال الكوردستانية التي تشرّبت المعرفة والحيوية
والروح الوطنية والإحساس بالمسؤولية من هذا المنهل النضالي الذي قرأ فاتحة عطائه
الأولى ذلك القائد العظيم الراقد في روابي بارزان التي يحق لها أن تفتخر بهكذا إبن
بار إستطاع أن يسطـّر إسمه بأحرف ذهبية في سجل الخالدين...، ورغم فائق الإحترام
والتقدير لباقي القوى والأحزاب الكوردستانية التي ساهمت بدورها في الإتيان بهذه
الإنجازات التي يتنعّم في ظلالها الرحبة شعب كوردستان حالياً...، إلاّ أنّ الحق
ينبغي أن يُقال فالدور الأبرز في تحقيق ذلك يعود للبارزاني الأب الذي خطـّط ورسم
وكافح حتى رحيله ومن ثم قام بتسليم الرسالة للبارزاني الابن أي لسيادة الرئيس مسعود
بارزاني الذي تابع المسيرة حتى تمت ترجمة الجزء الأكبر من الحلم عبر تحقيق
الفدرالية لكوردستان وإسقاط نظام البعث...، والذي لا يزال ـ أي رئيس كوردستان ـ
يخطط ويرسم ويكافح دونما الشعور بأي ملل أو كلل في سبيل تثبيت الحقوق القومية
المشروعة لشعبه عبر إتباعه لسياسية عقلانية من شأنها حماية المكاسب وترتيب البيت
الداخلي وتعزيز التحالف الكوردستاني وتوسيع دائرة الأصدقاء وقطع الطريق على الأعداء
وتطوير التجربة الفدرالية، إضافة للمساهمة الفعالة في مسعى إنجاح العملية السياسية
الجارية في العراق الجديد.
بقي أنْ نذكـّر كل الكورد في كل مكان بأنّ أفضل وفاء للبارزاني
الخالد هو المضي قدماً على هدى نهجه القومي الوطني الديموقراطي الذي أثبت بأنه أخير
الخيارات الكوردستانية على طريق حرية شعبنا الحافل بمختلف التضحيات والذاخر بأسماء
لامعة من الخالدين في هذه الدرب المشرّفة...، ولنجعل هذه المناسبة حافزاً لنا في
العمل ومتابعة المسار.