| |
معارك الكرد
عباس عباس
( إهداء إلى كتاب سيرة الأجداد)
- الكرد لم يربحوا أية معركة في تاريخهم
الحديث!....
قالها بكل صفاقة, ورشف من قهوته التي طبخت له
على نار كردية, بيدِ شابة كردية معجبة به
وبثقافته التي لا يترك مناسبة إلا وأعلنها
للملأ بكل غطرسة .
مرت تلك الجملة بين حديثه المطول الذي استأثر
به عقل الشابة المذهولة بأفكاره وبعبقريته في
استكشاف ما لم يستكشفه أحد, فاغرة ألفاه
مندهشة بلباقته في طرح أفكاره ضمن الجمل
المنمقة, وهو يسلسلها بصوته الرخيم, ضمن ضيافة
غايته منها التقرب للحسناء المذهولة به .
سقطت تلك الجملة على الأب المتكأ على الوسادة
المنطوية تحت إبطه كالصاعقة, جعلته يفقد
توازنه وهو يرميها بعيدة عنه, استوى في جلسته
حين أن أشار بيده قبل أن يقول:
- الأكراد لم يخسروا معركة واحدة!....ربما
تقصد أنهم لم يربحوا حرباً .
أذهل الحضور برميه لمخدته قبل كلامه, إلا أن
عنفه في رمي الوسادة, شلت حركت الفتاة لثوان,
حين أن لملمت نفسها وهي تعيد ما قاله المعجب,
وردُ فعل الأب المنهك في مقاومة مرض الربو,
الكاتم على أنفاسه .
- وما الفرق يا عماه؟!...
هذا السؤال أذهلت الشابة قبل الأب, كيف لا
يميز هذا المثقف بين حربٍ ومعركة, وهو الذي ما
برح يوزع شهادات التثقيف في كل اتجاه , مع ذلك
لم تتدخل في ما لا يعنيها, والمهم أنه مازال
هنا وهي تسمع همساته المنطوية ضمن حديثه
الممتع, ولا يعنيها ما يطرحه من رأي .
علبة الدواء هزها للخلط بقوة, وضعها بين فكيه,
وبعد أن ضغط عليها بيده المرتجفة, شفط ما رشته
البخاخة من دواء في فمه, بعد أن حس بارتياح في
رئتيه, التفت إلى ضيفه المثقف وبهدوء وصوت
يكاد لا يسمع قال:
- عندما قلت, لم يخسروا معركة واحدة, كنت أعني
ما أقول, وكذلك عن الحرب!....
- ولكن كيف؟!....
- كل المعارك التي خاضها الكرد, لم يكونوا
يقصدونها, بل كانت مفروضة عليهم, كانت دفاعية
وعلى أرضهم, وهم مازالوا هناك بالرغم من كل
الخسائر التي منوا بها !....وكان العدو يتراجع
ليستعد لمعركة أخرى, وللأسف دائماً هم من قرر
توقيتها, وأعني عرباً كانوا أو فرساً أو
أتراكاً, أما المكان فهو نفسه, أرض كردستان,
وان انتقلوا من جهة إلى أخرى من أجزائها
المقسمة, وهكذا دواليك ومنذ قرون!....
- والحرب يا عماه, متى سيربحها الكرد؟....
منذ مدة طويلة لم تجحظ عيناه, كما هي الآن,
حين أن سمع ما قاله المثقف عن الحرب, إلا حين
أن تكون رئته في ضيق من مرض الربو اللعين الذي
هده قبل الأوان .
- الحرب لم ولن تنتهي أبداً , طالما الكرد
بقية في حالة التشرذم, الكرد وحتى هذه الساعة
لم تخض حربها وهي أمة واحدة, العدو متحد مع
نفسه أو مع غيره ضد الأكراد, أما من خاض ويخوض
الحرب عنهم, فهم جماعات وأحزاب ضيقة التمثيل ,
وكما هي حتى الآن, وان كانت أشد تنظيما وأشمل
للجماهير, وهذا تطور يقلق العدو الذي كان
يحارب فيما مضى, أغوات ومشايخ دين,أو لصوص
حمير, يشهرونهم زعماء وطنيين ليبرروا بذلك
حربهم على كردستان, وهؤلاء كانت قوتهم محصورة
في العشيرة أو الطائفة الدينية الضيقة, أو في
لصوص حمير, وكم من هؤلاء وقد أصبحوا أساطير,
نتغنى بهم ونحن نلحس الجراح!....
درس في الثقافة الوطنية, هو ما كان يحتاجه هذا
المثقف المتنمق في حديثه, مع ذلك بدا وكأنه
يبحث عن طريق يرد لنفسه الاعتبار, على الأقل
أمام الشابة التي انبهرت بحديث الأب السقيم .
تنحنح وبصوت مسموع للكل, حتى للشابة التي
انتقلت للمطبخ وقال:
- إذاً لم يربح الكرد حرباً, وفي النهاية, ما
قلته هو الصحيح .
احتاج الأب العليل إلى جرعة ثانيه وثالثة حتى
يعيد التوازن لرئته العليلة والتي ضاقت أكثر
بأسباب خسارة أمة الكرد لحربها !....
بيأس وصوت غير مسموع تكلم وقال:
- أنت محق, طالما لم نتخلص بعد من تمجيد لصوص
حمير!....
أنهكه الحديث, وضع رأسه على الوسادة التي
أعيدت له, أغمض عينيه , ثوان حتى كان يحمل
البندقية التي كان قد غنمها في معركة ضد
الانكشار, وهو يصعد الجبل من جديد....وكعادة
الكرد المتمردة عبر تاريخهم الطويل.....
وحيداً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للرجوع للصفحة الاولى
jindires@hotmail.com
|
|